وهبة الزحيلي

201

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

تطلعوا إلى ما لا يحل لكم الاطلاع عليه ، ولا تفاجئوا الساكنين الوادعين ، فتحرجوهم أو تزعجوهم ، فيحدث الاشمئزاز ، والتضايق ، والكراهية . فلا بد إذن من الاستئذان قبل الدخول والسلام خارج الباب لمعرفة الداخل ، وكان السلام هو المألوف في الماضي حيث لم تكن أبواب الدور محكمة الإغلاق والستر بنحو كاف كاليوم ؛ إذ لم يكن للدور حينئذ ستور . والاستئناس : الاستعلام ( طلب العلم ) والاستكشاف ، من آنس الشيء : إذا أبصره ظاهرا مكشوفا ، فمن أراد دخول بيت غيره عليه أن يستأنس ، أي يتعرف من أهله ما يريدون من الإذن له بالدخول وعدمه ، فهو بمعنى الاستئذان ، بدليل قوله تعالى : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ النور 24 / 59 ] . وكان ابن عباس على الأصح فيما روي عنه يفسر الاستئناس بالاستئذان ، ولا يحصل الاستئناس إلا بعد حصول الإذن بعد الاستئذان . ويكون الاستئذان ندبا ثلاث مرات ، فإن أذن للزائر وإلا انصرف ، كما ثبت في الصحيح لدى مالك وأحمد والشيخين وأبي داود عن أبي موسى وأبي سعيد معا أن أبا موسى الأشعري حين استأذن على عمر ثلاثا ، فلم يؤذن له انصرف ، ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد اللّه بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له ، فطلبوه فوجدوه قد ذهب ، فلما جاء بعد ذلك قال : ما أرجعك ؟ قال : إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي ، وإني سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا استأذن أحدكم ثلاثا ، فلم يؤذن له فلينصرف » الحديث . وظاهر الآية أنه لا بد قبل الدخول من الاستئذان والسلام معا ، إلا أن الأول مطلوب على سبيل الوجوب ، والثاني على سبيل الندب كما هو حكم السلام في كل موضع . لكن الواجب في الاستئذان هو مرة واحدة ، وأما الثلاث فهو مندوب ، كما تقدم .